سهيلة عبد الباعث الترجمان

434

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

لذة ، وكل قائل صادق ، فإنه قد قدّمنا مثال هذا في هذا الكتاب أنّ شخصين لا يجتمعان أبدا في تجل واحد ، وأن الحق لا يكرر على شخص تجليا ، وقد قدمنا أنّ تجلياته تختلف لأنها تعمّ الصور المعنوية والروحانية والملكية والقيومية والعنصرية ، ففي أيّ صورة ما شاء ظهر ، كما أنه فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ « 1 » ، وفي الطريق في أي صورة ما شاء أقامك ، فالمراكب مختلفة ، والراكب واحد ، فمن تجلى له في الصور المعنوية قال بفناء الرسم ، ومن تجلى له في الصور الطبيعية والعنصرية قال باللذة في المشاهدة ، ومن قال بعدم اللذة في المشاهدة كان التجلي له في الصور الروحانية ، فكل صدق وبما شاهد نطق " « 2 » . وقد ذكر نيكلسون أن هذه النظرية " أي الفناء " ترتبط بفكرة وحدة الوجود المطلق ، ويرى أن الصوفي في هذه الحالة لا يحاول الفناء عن إرادته ، بل الفناء عن العالم الظاهر وعن كل ما لا حقيقة له في ذاته . فلا يشهد غيرا أصلا ، بل يشهد وجود العبد عين وجود الرب « 3 » . وهذا يصدق على ما يراه ابن عربي بأن الفناء هذا حال من أحوال العدم - لا يعني به العدم المحض إنما يعني به العدم النسبي - الذي ينعدم فيه شعور العبد بالوجود عن العالم الظاهر ، وفي هذا ربط صريح بين الفناء والشهود حيث لا يصح الشهود دون فناء ، وأن حالة الصوفي الواصل لا بد أن تفنى عن الوجود حيث يتم لها الشهود . وهذا ما أشار إليه فقال بأن " الفناء حال من أحوال العدم عند من فهم الأمور وعلم ، فما يطلب أهل اللّه الشهود إلّا لأجل الفناء عن الوجود . . . كما أن منزل الحق التوحيد فيفنيهم عند الشهود لحصول التفريد " « 4 » . وهكذا يستدل من كلامه أن الفناء لا يعني به تلاشي الموجود شخصيا ، إنما التحقق من أن صور المحدثات قد تلاشت واختفت عن نظره ففنيت عن الواحد الحق ، فما شهد بعد ذلك في الوجود إلّا ذاك الحق ، وهذه وحدة الشهود التي يقول بها الصوفية وأشار إليها ابن عربي فقال : " إذا

--> ( 1 ) سورة الانفطار ، الآية : 80 ك . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 520 . ( 3 ) نيكلسون ، الصوفية في الإسلام ، مرجع سابق ، ص 104 . ( 4 ) ابن عربي ، كتاب التجليات ( الرسائل ) ، ص 49 .